حرية التعبير.. مسألة وعي

 

 

د. محمد بن خلفان العاصمي

تُبنى الأوطان بسواعد أبنائها، وتضافر جهودهم، وإخلاصهم في سبيل رفعة وطنهم وشعبهم، وتُبنى الأوطان كذلك عبر التضحيات والتنازلات وإنكار الذات وتغليب المصلحة العامة على المصالح الخاصة، وعبر الدفع بالجهود التي تبذلها الدولة لتحقيق الرخاء والاستقرار والازدهار يبرز دور المواطنة الصالحة التي تُسهم بدورها في بناء الوطن، وتبرز كعنصر بناء يدعم التنمية لا معول هدم يقوض الجهود التي تستهدف تحقيق التنمية الشاملة والمستدامة للمجتمع، هكذا تُبنى الأوطان وهكذا تنمو وتزدهر وتتطور لتحقق الغايات الوطنية وترتقي لمصاف الدول المتقدمة فكرًا وعملًا.

وقد كفل النظام الأساسي للدولة حرية التعبير عن الرأي في حدود القانون كما وضحته المادة (35): "حرية الرأي والتعبير عنه بالقول والكتابة وسائر وسائل التعبير مكفولة في حدود القانون"؛ وذلك إيمانًا من القيادة الرشيدة بأن التعبير عن الرأي حق للإنسان كفلته الشرائع السماوية في المقام الأول، وهو ميزان العلاقات الإنسانية بين البشر، وأساس العدل الذي تنطلق منه أساسات البناء الحضاري للمجتمع، وعلى مر التاريخ كان هذا العنصر هو القاسم المشترك بين الحضارات التي تلاشت واختفت وتلك التي استمرت ونمت وتطورت.

لا بُد للإنسان أن يُعبِّر عمَّا يجول بخاطره، ولا بُد له من إبداء رأيه حول القضايا المهمة التي تمس حقوقه وواجباته، ولا بُد للمواطن الحقيقي أن يتفاعل مع ما يحيط به من قضايا اجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية؛ فهذا هو الإنسان الاجتماعي كما وصفه ابن خلدون، ولكن كل هذا لا بُد أن يُمارس وفق وعيٍّ ومسؤوليةٍ وطنيةٍ، وفي إطار القوانين والتشريعات المنظمة حتى لا تنفلت الأمور ويتحول النقد عن هدفه الأساسي، وينحرف التعبير عن الرأي من مسار الإصلاح الذي هو جوهره، إلى مسار التشهير والتقزيم والتسفيه الذي هو امتهان للدولة والمجتمع.

أن يمتلك المواطن حسَّ المسؤولية ويُمارِس دوره في نقد العمل، فهذا نهج رسّخته الدولة ورسم خطه القانون، ولذلك أُنشِئَت مؤسسات لممارسة هذا الدور الوطني كمجلس الشورى الذي يُعبِّر أعضاؤه بكل أريحيه عن احتياجات المجتمع وضروريات التنمية ويُقيِّمون أداء الحكومة، ويتابعون عملهم وفق أُطر تشريعية واضحة، وتكامل مؤسسي مع السلطة التنفيذية، وهناك الإعلام بكافة أنواعه وأشكاله الذي يمارس دوره في النقد البناء، ويطرح جميع القضايا بكل تفاصيلها وبموضوعية كانت ولا زالت محل إشادة وإعجاب من الخارج الذي يلمس الفرق بين حرية الإعلام لدينا وبين الحدود الضيقة لدى غيرنا.

وهناك وسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت جزءًا أساسيًا من عملية الإصلاح والنقد والمتابعة، بل إنها تفوقت في بعض الاحيان على الإعلام التقليدي ذاته الذي استفاد منها بشكل كبير وزاد من انتشارها بشكل ملحوظ. كل هذا يحدث في إطار من الإحساس بالمسؤولية، وفي حدود القانون الذي حدد بشكل واضح وصريح المباحات والمحظورات، والتي لا تمس حريات المجتمع وأفراده، وبما لا يثير الفوضى والنعرات والصراعات بين المواطنين، وبما يحفظ كرامة الفرد؛ سواء أكان مواطنًا عاديًا أم مسؤولًا بصفة اعتبارية.

وما رأيناه في ملتقى "معًا نتقدم" هو تتويج لهذا النهج العُماني الخالص عندما يَطرح المواطن بكل أريحية ما يلمسه ويشعر به من قصور في الأداء، ويُقدِّم المقترحات التي يرى أنها قادرة على إيجاد حلول لهذه التحديات، ومعالجة القصور في الأداء، في مشهد أبهر المتابعين خاصة من الخارج؛ فمساحة التعبير عن الآراء فعلًا مُتحقَّقة، ولا قيود تُفرَض على من يمارسها بصدق نية وإخلاص للوطن. أمَّا من انتهج التقزيم والتسفيه والإثارة المُفتعلة لحاجة في نفسه؛ فهو يُدرك قبل غيره أن هذا النهج مثار امتعاض من المجتمع قبل المسؤول، وأسلوب لا يقبله هذا الوطن الذي تربى ابناؤه على الاحترام والتقدير المتبادل، وحتى مع اختلاف وجهات النظر تظل لغة الاحترام هي الأساس الذي ينطلق منه الجميع.

لقد أسَّست الدولة منظومة تشريعية وأدوات تنفيذية تكفل حرية التعبير عن الرأي، ورعت هذه الحرية بشكل كامل؛ لإيمانها بأهمية هذا النهج في الرقي بالمجتمع والحفاظ على المكتسبات الوطنية، وقد كان هذا نهج السلطان قابوس بن سعيد- طيب الله ثراه- وسار عليه حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- وهو نهج راسخ منذ القدم، منذ أن وُجِدَتْ البرزة العُمانية، والى قبة مجلس عُمان بشقيه الشورى والدولة، وصولًا إلى "معًا نتقدم"، ومساحات الحوار الوطني؛ لتظل سلطنة عُمان رائدة في احترام حرية التعبير عن الرأي الواعي.

الأكثر قراءة

z